ابن المقفع
243
آثار ابن المقفع
من عاقبه أشد العقوبة من نزعه عن عمله أو أخذ ماله بغير ذنب ، أو من كان للكرامة أهلا فلم يعرف له ذلك ولم يعطه ما هو أهله ، أو كان مظلوما ولم ينظر في أمره ، أو كان من أهل الطمع فلم يصب ما يرجوه ، أو كان بين قوم قد اجترموا جريمة هو منها بريء ، فأخذ هو بها من بينهم وخلي سبيلهم . فأمثال هؤلاء لا ينبغي للملك ان يصحبهم . وأنا أيها الملك أحد هؤلاء ، فلعل الملك يقول : إن ابن آوى لا ينسى الذي لقيه من الهوان فيقتص مني ، وأنا ، يعلم اللّه . . ليس في قلبي شيء من قبل هذا ، وانما خوفي ان يفعلوا بي ذلك مرة أخرى . فلا يغلظن على نفس الملك ما أخبره أني به غير واثق ، وأنه لا ينبغي لي ان اصحبه ، وأن الملك لا ينبغي له ان يصحب من كان مثلي ، ولا ينبغي له ان يرفضه أصلا ، فإن ذا السلطان إذا عزل كان مستحقا للكرامة في حالة إبعاده والإقصاء له . فلم يلتفت الأسد إلى كلامه ثم قال له : إني قد بلوت طباعك وأخلاقك وجربت أمانتك ووفاءك وعرفت كذب من محل بك وإني منزلك من نفسي منزلة الأخيار الكرماء ، والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان الخلال الكثيرة من الإساءة . وقد عدنا إلى الثقة بك ، فعد إلى الثقة بنا ، فإنه كائن لنا ولك بذلك غبطة وسرور . فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يلي ، وضاعف له الأسد الكرامة ولم تزده الأيام إلا تقربا منه .